في عصر تتزايد فيه تطلعات الجمهور للفعاليات الراقية والمبهرة، يبرز جانب آخر لا يمكن تجاهله، وهو البعد البيئي. بات من الصعب الحديث عن أي حدث…
في عصر تتزايد فيه تطلعات الجمهور للفعاليات الراقية والمبهرة، يبرز جانب آخر لا يمكن تجاهله، وهو البعد البيئي. بات من الصعب الحديث عن أي حدث ضخم، رياضيًا كان أو ثقافيًا أو اقتصاديًا، دون أن تطرح الأسئلة الكبرى: كيف سنقلل الأثر البيئي؟ كيف نحقق الحياد الكربوني؟ وكيف نجعل هذه الفعالية لا تترك خلفها سوى أثر إيجابي في الذاكرة دون أضرار للأرض؟
إن الاستدامة اليوم لم تعد رفاهية أو إضافة تجميلية على جدول الفعالية، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من مسؤولية الجهة المنظمة أمام جمهور واعٍ مثقف، يقدّر القيمة ويبحث عن المعنى، خصوصًا حين يتعلق الأمر بحماية كوكبنا للأجيال المقبلة.
لا يمكن الحديث عن تنظيم فعاليات صديقة للبيئة دون التطرق إلى مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP)، الذي تحول على مدار العقود الأخيرة إلى منصة تعتمد سياسات واتفاقيات ملزمة، مثل اتفاقية باريس 2015، التي أرست أهدافًا صارمة لتقليل الانبعاثات.
في كل نسخة جديدة من هذا المؤتمر، يتم التذكير بحجم التحدي، خاصة حين يناقش الحضور كيفية تطبيق مبادئ الاستدامة في الفعاليات الكبرى مثل الألعاب الأولمبية أو بطولات كأس العالم والتي تمثل استهلاكًا هائلًا للطاقة والموارد.
من الحلول التي دُرست ضمن هذه القمم:
لكن في المقابل، ما زال الوصول إلى الحياد الكربوني الكامل في تنظيم الفعاليات الضخمة صعبًا، نتيجة اعتماد بعض الدول على الوقود الأحفوري بشكل أساسي، إضافة إلى التباين في التشريعات المحلية، مما يجعل الالتزام باتفاقيات الاستدامة تحديًا واقعيًا يحتاج إلى إرادة سياسية وإبداع هندسي في آن معًا.
الابتكار في تنظيم الفعاليات المستدامة ظهر بصورة عملية خلال معرض البيئة المستدامة الدولي، حيث عرضت شركات وتقنيات قادرة على تحويل ما يقارب 80% من النفايات الناتجة عن الفعاليات إلى مواد قابلة لإعادة الاستخدام أو سماد زراعي، وهي نسبة لو تحققت على نطاق واسع ستحدث ثورة حقيقية في قطاع إدارة المخلفات.
كذلك لفت الانتباه التوجه القوي نحو المنصات الرقمية، واستخدام الواقع الافتراضي كبديل عن المعروضات المادية التي كانت تستهلك أطنانًا من المواد البلاستيكية والخشبية كل عام. بهذه الطريقة، تتحول قاعات العرض الافتراضية إلى مساحات مستدامة بالكامل تقريبًا، تقلل النفايات وتختصر عمليات النقل والشحن وتقلل من البصمة الكربونية.
إلا أن هذه الابتكارات تواجه تحديًا لا يمكن إغفاله: ارتفاع تكاليف التنفيذ مقارنة بالطرق التقليدية. فرغم أن الجمهور يتقبل الحلول المستدامة ويشيد بها، إلا أن المنظمين قد يترددون في الاستثمار في هذه التقنيات إذا لم يجدوا دعمًا أو حوافز أو شراكات حقيقية تعزز قدرتهم على تحمل التكاليف.
من جهة أخرى، يقدم لنا مؤتمر IMEX (سواء في فرانكفورت أو أمريكا) صورة متوازنة بين الطموح والتحديات. فقد أظهرت دراساته أن نحو 75% من منظّمي الفعاليات باتوا يطبقون ممارسات مستدامة متنوعة، من أبرزها:
لكن برغم هذا التقدم، تكشف أبحاث IMEX أن نحو 29% من المنظمين ما زالوا يعانون نقص المعرفة حول أساليب تحقيق الاستدامة، في حين أن 22% يشكون ضيق الميزانية كعائق رئيسي للاستثمار في بدائل صديقة للبيئة.
وهنا تظهر ضرورة بناء شبكات تثقيفية وتدريبية للمنظمين، تشاركهم قصص نجاح وتجارب حقيقية تساعدهم على تبني ممارسات استدامة تدريجيًا وبثقة.
حين ننظر إلى مشهد الاستدامة البيئية في الفعاليات من منظور ماندالا، ندرك أن الجودة لا تنفصل أبدًا عن الاستدامة، بل هي وجه آخر لها.
بهذه المنهجية المتكاملة، نستطيع تحويل أي فعالية من مجرد تجمع عابر إلى قصة ملهمة تحتفي بالوعي والمسؤولية، وتزرع بذرة الأثر الطيب في ذاكرة الجمهور.
لو ألقينا نظرة على التقنيات التي ستغير قواعد اللعبة خلال الأعوام المقبلة، سنجد توجهات مذهلة بالفعل، أبرزها:
كما يتوقع الخبراء أن تزيد الحوافز الحكومية والشهادات البيئية الدولية، لتشجع المستثمرين على الدخول بقوة في مجال تنظيم فعاليات خضراء صديقة للبيئة.
لا أحد ينكر أن تحقيق الاستدامة البيئية الكاملة في الفعاليات مهمة شاقة، خاصة في الدول التي ما زالت تعتمد بشكل كبير على مصادر الطاقة التقليدية، أو تلك التي تواجه صعوبات مالية أو تشريعية.
ومع ذلك، فإن الابتكار والإصرار كفيلان بتجاوز هذه العقبات، بشرط وجود رؤية واضحة وتعاون حقيقي بين جميع الأطراف:
هذا التكامل هو ما يسمح بتصميم فعالية راقية وذات أثر اجتماعي وأخلاقي عميق.
الجمهور الذي يحضر فعاليات ماندالا لا يبحث فقط عن مقعد مريح أو مؤثرات صوتية جذابة، بل يريد أن يشعر أن وجوده لا يضر بيئته، وأن كل خطوة في رحلته قد خضعت لتفكير أخلاقي راقٍ يضع كوكب الأرض في الحسبان.
تجربة الزائر المستدامة تبدأ من لحظة التسجيل الإلكتروني (بدلًا من البطاقات الورقية)، مرورًا باستخدام مواد صديقة للبيئة في الأطعمة والمشروبات، وانتهاءً بإدارة النفايات بعد الحدث بأسلوب محترف يمنع الهدر ويعيد تدوير أغلب المخلفات.
بل يمكننا أن نتخيل في المستقبل القريب أن الزائر سيكون قادرًا على تتبع أثره الكربوني أثناء الفعالية، من خلال تطبيق بسيط يخبره بعدد الغازات التي ساهم في تقليلها عبر اختياراته كركوب حافلة كهربائية، أو تفضيل المشروبات النباتية، أو حضور جلسة افتراضية بدلاً من السفر بالطائرة.
قد تبدو الاستدامة البيئية في تنظيم الفعاليات تحديًا ضخمًا، لكنها أيضًا فرصة استثنائية للتميز وصناعة أثر حقيقي طويل الأمد. جمهور اليوم خاصة من الشرائح الراقية والحكيمة صار يرى في جودة الفعالية ما يتجاوز الشكل الخارجي نحو قيمها الأخلاقية ورسالتها.
وفي ماندالا، نحن نؤمن أن أعظم الفعاليات هي تلك التي تحتفي بالجمال، لكنها لا تغفل عن واجبها تجاه البيئة. هي تلك الفعاليات التي تجمع بين هندسة الفكرة وجودة التصميم وروعة التنفيذ، لتقدم تجربة تحمل المعنى وتترك أثرًا إيجابيًا يليق بجمهور واعٍ مثقف يقدر القيم، ويحترم الكوكب الذي نعيش فيه.
قد يهمك أيضًا:
شاركنا بريدك الإلكتروني وادخل معنا في مساحة مليانة وعي، نمو، وإلهام.
جمبع الحقوق محفوظة © ماندالا 2025
WhatsApp us