في عصر تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والاجتماعية، لم يعد دور الشركات مقتصرًا على تحقيق الأرباح وتعظيم رأس المال فقط، بل أصبحت المسؤولية الاجتماعية جزءًا أصيلًا…
في عصر تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والاجتماعية، لم يعد دور الشركات مقتصرًا على تحقيق الأرباح وتعظيم رأس المال فقط، بل أصبحت المسؤولية الاجتماعية جزءًا أصيلًا من استراتيجيات النمو المستدام. ولم يعد بوسع الشركات الكبرى أو حتى المتوسطة تجاهل أثرها المجتمعي، في وقت باتت فيه الصورة الذهنية للشركة مرتبطة بمدى التزامها تجاه مجتمعها وبيئتها.
هنا تبرز الفعاليات بوصفها منصات جوهرية وحيوية لتعزيز ثقافة المسؤولية الاجتماعية، إذ لم تعد مجرد تجمعات ترفيهية أو مؤتمرات رسمية، بل تحولت إلى مساحات ملهمة للحوار، وتبادل الرؤى، وتحفيز المبادرات التنموية المؤثرة.
إن إدارة الفعاليات باحترافية تتجاوز التخطيط التقليدي، لتصبح عملاً فكريًا وهندسيًا متكاملاً. فمنذ اللحظة الأولى التي تنبثق فيها فكرة إقامة فعالية تهتم بالمسؤولية الاجتماعية، لابد من أن تبنى وفق أسس التفكير التصميمي العميق، القائم على قراءة احتياجات المجتمع، وتطلعات أصحاب المصلحة، ومن ثم تحويلها إلى صورة حقيقية تنبض بالإبداع. وهذا هو جوهر فلسفة ماندالا في هندسة الفعاليات، حيث لا تكتفي بالمساحات المبهرة والتقنيات المتقدمة، بل تربط كل تفصيل بالهدف الأسمى: صناعة أثر طويل الأمد يليق بطموح الحاضرين وينسجم مع رسائل التنمية المستدامة.
ومن هذا المنطلق، باتت الفعاليات منصات مثالية للشركات التي ترغب في إظهار التزامها الأخلاقي والإنساني تجاه المجتمع، من خلال إطلاق برامج مبتكرة، أو دعم قضايا اجتماعية، أو تسليط الضوء على تحديات العصر.
لا يمكن الحديث عن هذا الدور دون التطرق إلى الملتقى الدولي للمسؤولية الاجتماعية الذي سيقام في الرياض يومي 28–29 أكتوبر 2024. هذا الحدث يجسد بامتياز نموذج الفعالية القادرة على الجمع بين التطلعات الوطنية والرؤية الكونية للمسؤولية الاجتماعية.
يستهدف الملتقى تسليط الضوء على أبرز التحديات والتطورات في هذا المجال الحيوي، ويفتح الباب واسعًا أمام الشراكات بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي. كما يناقش الملتقى، ضمن جدول أعماله الثري، سبل تحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، في سياق عالمي متغير يستدعي تكامل الأدوار.
إن زخم هذا الحدث يتجاوز مجرد طرح الأفكار النظرية؛ إذ يضم ورش عمل تطبيقية، وجلسات حوارية رفيعة المستوى، إضافة إلى معرض مصاحب يسلط الضوء على مبادرات رائدة في مجال المسؤولية الاجتماعية. وما يميز هذا الملتقى هو حضور خبراء عالميين، من قادة التغيير وممثلي القطاعات المؤثرة، ما يمنحه قيمة عملية استثنائية، ويوفر للمشاركين فرصًا غير مسبوقة للتعلم وبناء شبكة علاقات استراتيجية تساهم في تحويل المبادئ إلى ممارسات حقيقية.
من منظور ماندالا، فإن إدارة مثل هذه الفعالية تتطلب جودة عالية على ثلاثة مستويات: جودة في التفكير والتصميم لضمان رسالة عميقة وملهمة، جودة في التنفيذ من خلال أفضل التقنيات والمواد والخدمات، وجودة في الإخراج يوم الفعالية عبر الاهتمام بأدق التفاصيل التنظيمية لتقديم تجربة زائر استثنائية تعزز قيم المشاركة والوعي.
وفي سياق عالمي لا ينفصل عن جهود المنطقة، يأتي منتدى المسؤولية الاجتماعية للشركات الذي تحتضنه مدينة شنغهاي بالصين ليكرّس نهجًا متقدماً في تحفيز ممارسات التنمية المستدامة. لا سيما من خلال تكريم الشركات المتميزة في الاستدامة، مثل تكريم شركة سابك السعودية بحصولها على جائزة التميز للابتكار والاستدامة عام 2020، ما يمثل رسالة واضحة بأن التنافسية لم تعد مرتبطة بالأسواق وحدها، بل بالقدرة على خدمة المجتمع أيضًا.
إن مثل هذه الجوائز تشجع الشركات على التوسع في مبادراتها ذات البعد الاجتماعي، وتدفعها إلى تطوير نماذج مبتكرة للتخفيف من حدة الفقر، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتحسين جودة الحياة في المجتمعات التي تعمل فيها. ولا شك أن المنتدى يمثل كذلك منصة مهمة لتبادل التجارب مع كبرى الشركات العالمية، وتوطين الممارسات الرائدة داخل سياقات ثقافية محلية، بما يعزز فرص النجاح المستدام.
أما على الصعيد المحلي، فإن جائزة البلاد للمسؤولية الاجتماعية تمثل إحدى أبرز المنصات التحفيزية أمام الشركات السعودية. هذه الجائزة تتجاوز كونها تكريمًا رمزيًا، فهي تدعو الشركات إلى تحويل مبادراتها من أعمال خيرية وقتية إلى مشاريع تنموية ذات أثر طويل الأمد، وتدعم بفاعلية المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، وتعمل على مكافحة البطالة خاصة بين فئة الشباب والمرأة، ما ينسجم مع رؤية المملكة 2030.
وقد أشاد البروفيسور يوسف عبدالغفار، رئيس الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية، بدور هذه الجائزة في إعادة تعريف علاقة الشركات بمجتمعاتها، معتبرًا أنها نموذج يحتذى به في تحفيز القطاع الخاص على تبني حلول مبتكرة للتحديات المجتمعية.
إن جائزة البلاد تترجم بوضوح الفلسفة الجديدة للمسؤولية الاجتماعية في السعودية، القائمة على مبدأ «التمكين» بدلاً من الاكتفاء بالدعم المباشر، مما يرسخ ثقافة المشاركة الفاعلة، ويعزز روح المبادرة لدى المجتمع المحلي.
إن تصميم وتنفيذ وإخراج الفعاليات التي تخدم رسالة المسؤولية الاجتماعية ليس ترفًا تنظيميًا، بل استثمار اجتماعي حقيقي. حين تستثمر الشركات في فعاليات راقية ذات معنى، فإنها تزرع صورة ذهنية قوية لدى جمهورها المستهدف، وتمنح موظفيها، وعملاءها، وأصحاب المصلحة، فرصةً للانخراط في رسائل وقيم سامية تتجاوز حدود المصالح الفردية.
ومما لا شك فيه أن الحضور إلى فعالية مخططة بإتقان، تقدم محتوى ثريًا ومؤثرًا، وتظهر بأعلى معايير التقنية والفخامة والتنظيم، يترك في الوجدان أثرًا عميقًا ويعزز ثقة المشاركين بالشركة الراعية. فالجودة هنا ليست في المظهر وحده، بل في تكامل التجربة من البداية حتى النهاية.
وهذا بالضبط ما تسعى إليه ماندالا عند بناء أي فعالية؛ فهي لا ترى في الفعاليات مجرد لحظات مؤقتة، بل تعتبرها مشاريع هندسية تحمل رسالة، تخطط لها بعقلية استراتيجية وتنفذها بأعلى معايير التقنية والجودة، لتصبح منصة تعليمية، ثقافية، تنموية، وحلقة وصل بين صناع القرار وأفراد المجتمع.
في ظل التحديات المناخية، والتحولات التقنية الهائلة، والتغيرات الديموغرافية، تبرز المسؤولية الاجتماعية كخيار استراتيجي لا غنى عنه للشركات التي تطمح للاستمرار في موقع الريادة. ومن خلال الفعاليات، تستطيع هذه الشركات أن تستعرض التزامها بقضايا التنمية المستدامة بشكل حي وتفاعلي، بعيدًا عن التقارير الورقية أو البيانات الصحفية.
إن إقامة فعالية هادفة حول قضايا التعليم، أو البيئة، أو تمكين المرأة، أو دعم ريادة الأعمال، يعني أن الشركة تبني شبكة من العلاقات الوجدانية والفكرية مع جمهورها، وتعيد تعريف هويتها أمام السوق بوصفها كيانًا واعيًا وإنسانيًا ومسؤولًا.
إن الاستثمار في الفعاليات الهادفة إلى دعم المسؤولية الاجتماعية لم يعد رفاهية، بل هو أحد أقوى أدوات الاتصال الاستراتيجي وأكثرها تأثيرًا. وفي هذا الإطار، تمثل الفعاليات مثل الملتقى الدولي للمسؤولية الاجتماعية بالرياض، ومنتدى شنغهاي للمسؤولية الاجتماعية للشركات، وجائزة البلاد للمسؤولية الاجتماعية، تجسيدًا عمليًا لكيفية دمج قيم التنمية المستدامة في قلب استراتيجيات القطاع الخاص والحكومي على حد سواء.
وفي الختام، يبقى دور ماندالا رائدًا في تحويل مثل هذه الرؤى إلى واقع ملموس، عبر خبراتها الواسعة، وفريقها المتخصص القادر على بناء تجارب متكاملة ترتقي بفكر الفعاليات إلى مستوى الأثر الاجتماعي الرفيع، لتصبح الفعالية حقًا جسرًا نحو مستقبل أكثر استدامة وعدلاً وجودةً لحياة الجميع.
قد يهمك أيضًا:
شاركنا بريدك الإلكتروني وادخل معنا في مساحة مليانة وعي، نمو، وإلهام.
جمبع الحقوق محفوظة © ماندالا 2025
WhatsApp us