قبل سنوات، كانت الفعاليات الثقافية والمؤتمرات تنحصر في مسارح تقليدية، أو قاعات معروفة، وجمهور يجلس متلقيًا للحدث في شكل نمطي معتاد. لكن اليوم، مع تصاعد…
قبل سنوات، كانت الفعاليات الثقافية والمؤتمرات تنحصر في مسارح تقليدية، أو قاعات معروفة، وجمهور يجلس متلقيًا للحدث في شكل نمطي معتاد. لكن اليوم، مع تصاعد إمكانات التكنولوجيا الرقمية، وتطوّر الذكاء الاصطناعي، ظهر مفهوم الواقع المختلط ليكسر هذا الإطار، ويفتح أمامنا آفاقًا غير مسبوقة.
إن الواقع المختلط لا يعني مجرد إسقاط رقمي على واقع مادي، بل هو إعادة هندسة الفضاء نفسه، لتذويب الحدود بين ما هو ملموس وما هو افتراضي، وصياغة بيئة تفاعلية تحاكي أحلام الإنسان في الجمع بين الخيال والحقيقة في تجربة واحدة. ومن هنا، وجدت ماندالا في هذا المفهوم ركيزة أساسية لإعادة ابتكار فعاليات تليق بجمهورها، جمهور يتذوق الجودة، ويتطلع دومًا لكل ما هو رائد ومستقبلي.
الواقع المختلط (Mixed Reality) هو مصطلح يجمع مزايا الواقع الافتراضي والواقع المعزز، ليخلق عوالم هجينة يتفاعل فيها المستخدم مع عناصر رقمية مرئية داخل فضائه الحقيقي، فتظهر وكأنها جزء أصيل من المشهد. وتطبيق هذا المفهوم على قطاع الفعاليات يفتح مجالًا واسعًا لخلق تجارب ثرية، يتعايش فيها الزائر مع عروض حية، وتفاصيل رقمية دقيقة، وأنشطة افتراضية مصممة بعناية.
إن هذه الرؤية تجعل الفعالية ليست مجرد لقاء عابر، بل رحلة غامرة متعددة الأبعاد، تبدأ من التخطيط، وتمر بالتصميم والتنفيذ، وصولًا إلى الإخراج النهائي الذي يترك أثرًا دائمًا في ذاكرة الحاضرين.
من أبرز الفعاليات التي سلطت الضوء على هذا التحول مؤتمر ConveyUX الذي استضافته سياتل في الولايات المتحدة، مع إتاحته أيضًا عبر الإنترنت، ليصبح نموذجًا للفعاليات الهجينة التي توظف تقنيات الواقع المختلط بذكاء.
تركز هذا المؤتمر على دمج الذكاء الاصطناعي مع تقنيات MR في تصميم تجارب المستخدم، مقدّمًا جلسات تطبيقية تناولت سبل تحويل المؤتمرات من مجرد شاشات إلى فضاءات تفاعلية غنية. فقد ناقشت إحدى الجلسات، على سبيل المثال، كيفية استخدام الواقع المختلط لإنشاء عروض منتجات ثلاثية الأبعاد، تعطي الحاضرين شعورًا بأنهم يختبرون المنتج بأنفسهم داخل المعرض، دون الحاجة إلى لمسه فعليًا.
كما استعرض خبراء من “مايكروسوفت” و”جوجل” و”فيجما”، مثل أندرو هوجان، آليات تحليل تفاعل الجمهور عبر تتبع بيانات الزوار سواء كانوا حضوريين أم افتراضيين، ما يمكّن المخططين من تحسين فعالياتهم لحظةً بلحظة.
هذا النوع من التفكير المستقبلي يلهم فلسفة ماندالا في التخطيط للفعاليات: كيف نبني تجربة تتجاوز الأسطح والشاشات، إلى فضاء متكامل، يقرأ سلوك الجمهور ويعيد تشكيله ليقدم محتوى أكثر عمقًا وأهمية؟
تجربة أخرى ملهمة ظهرت محليًا من خلال مهرجان نور الرياض، الذي يجمع بين الفن الضوئي والواقع المختلط في مواقع مفتوحة كـ”وادي حنيفة” و”مركز الملك عبد العزيز التاريخي”، ليحوّل المدينة إلى متحف حي ينبض بالإبداع.
على سبيل المثال، قُدّم تركيب “نجم الثريا” الذي يمزج بين الأرض والسماء عبر تقنيات MR، حيث يرى الزائر مجسمًا ضوئيًا ديناميكيًا يتحرك في الهواء وكأنه جزء من الكون، بينما يتفاعل مع حركة الجمهور أسفل منه.
ما يميّز هذه الفعالية ليس فقط روعة البعد البصري، بل مشاركة ستين فنانًا عالميًا بينهم ثمانية عشر سعوديًا، ممن عملوا على تصميم تجارب غامرة تحفّز التفاعل بين الجمهور والعناصر الافتراضية. هذه الفلسفة تجعل الفن أقرب إلى الناس، وتكسر الحواجز بين العمل الفني ومتلقيه، فتجعل الجمهور جزءًا من قصة العرض.
توظيف هذا المفهوم هو بالضبط ما تطمح إليه ماندالا في تطوير فعالياتها: تحويل كل فضاء إلى حالة فنية متجددة، حيث يشعر الزائر أن كل حركة من حوله مصممة له خصيصًا، تجمع بين الجمال البصري، والتقنية الرفيعة، والتجربة الإنسانية الكاملة.
وفي بانكوك، ظهر مؤتمر UXTH ليواصل استكشاف أبعاد الواقع المختلط وتطبيقاته العملية في بناء فعاليات هجينة. هذا المؤتمر مزج بين الحضور الواقعي والحضور الرقمي، من خلال ابتكارات مثيرة مثل غرف اجتماعات افتراضية تُعرض كامتداد طبيعي للقاعات المادية، بحيث يشعر المشاركون وكأنهم يتنقلون بسلاسة بين الواقع والشاشة.
كذلك قدّم المؤتمر أنشطة لبناء فرق العمل باستخدام تقنيات MR، سمحت للزوار بالتعاون الفوري على تصميم نماذج ثلاثية الأبعاد أو حل تحديات جماعية، ما أوجد تدفقًا سلسًا بين الخبرة المباشرة والخبرة الافتراضية.
ولعل الجلسة التي قدّمها كريستوفر نوسيل (مدير التصميم للذكاء الاصطناعي في IBM) كانت بالغة الأهمية؛ إذ ناقش كيف يمكن للمؤتمرات العلمية بالذات أن تستثمر الواقع المختلط لتسهيل مشاركة العقول من مختلف أنحاء العالم، وتقليص فجوات الزمان والمكان، ونشر المعرفة بسرعة أكبر.
هذا التوجه ينسجم تمامًا مع مبادئ ماندالا في تحويل الفعاليات إلى فضاءات تعليمية نابضة بالحياة، لا تتقيد بحدود المكان، ولا تنغلق على لحظة زمنية محدودة.
إن ما يميز ماندالا في هذا الإطار أنها لا تتعامل مع تقنيات MR بوصفها ترفًا بصريًا فحسب، بل تعتبرها أداة استراتيجية لإعادة بناء العلاقة مع الجمهور.
فالشركة ترى أن نجاح أي فعالية هجينة يعتمد على جودة التفكير في كل تفصيلة:
الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب فريقًا متمكنًا، يجيد الاستماع، ويحترف الهندسة التصميمية، ويملك أدوات تكنولوجية راقية، وهو ما تحرص عليه ماندالا بدايةً من مرحلة الأفكار إلى إخراج الحدث بأعلى المعايير.
حين نتأمل فوائد الواقع المختلط، نجدها تتجاوز حدود الإبهار البصري لتصل إلى بناء قيمة حقيقية للحدث:
ليس مستغربًا أن الواقع المختلط سيصبح في الأعوام القادمة جزءًا لا يتجزأ من تخطيط أي فعالية كبرى، خاصة مع نمو تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطور الأجهزة القابلة للارتداء. وسيكون من الممكن في المستقبل القريب أن يدخل الزائر قاعة مؤتمر في الرياض، ويكملها افتراضيًا في طوكيو، ويتفاعل مع جمهور عالمي وكأنه حاضر فعليًا بينهم.
من هنا، تؤمن ماندالا أن الفعاليات الهجينة هي مستقبل الصناعة، وأن بناء تجارب متكاملة على المستوى البصري، الصوتي، الإبداعي، والتحليلي، سيجعل من كل فعالية رواية إنسانية جديدة لا تُنسى.
ما بين مؤتمر ConveyUX الذي جمع خبراء التقنية لتصميم بيئات هجينة، ومهرجان نور الرياض الذي جعل الفن الضوئي والواقع المختلط يرويان قصصًا للجمهور في الهواء الطلق، وUXTH الذي دفع مفهوم التعاون الرقمي خطوة للأمام — تظهر لنا ملامح عالم جديد للفعاليات، أكثر انفتاحًا وتنوعًا ومرونة.
وفي صميم هذا التحول، تظل خبرة ماندالا ركيزة أساسية لصناعة أحداث قادرة على الجمع بين الدهشة البصرية والدقة التقنية، لتمنح جمهورها تجربة ترتقي بمعايير التفاعل، وتحقق أثرًا يليق بطموحات الحاضرين وذكائهم وشغفهم بالمستقبل.
فالواقع المختلط ليس تقنية وحسب، بل هو أسلوب تفكير وإبداع، يعيد صياغة علاقتنا بالعالم، ويمنحنا جميعًا فرصة لرؤية ما وراء الحدود، واستكشاف إمكانات جديدة لصناعة تجارب ثقافية تعيش طويلًا في الذاكرة والوجدان.
مقالات ذات صلة:
شاركنا بريدك الإلكتروني وادخل معنا في مساحة مليانة وعي، نمو، وإلهام.
جمبع الحقوق محفوظة © ماندالا 2025
WhatsApp us